محمد عبد العال يكتب : السياسة النقدية من التيسير إلى “السكون الإيجابي”
لماذا تتجه لجنة السياسة النقدية نحو "التثبيت"؟

يقف القطاع المصرفي المصري والأسواق المالية على أهبة الاستعداد لاجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، وسط رهانات قوية على استمرار سياسة “السكون الإيجابي” (الترقب والتثبيت)، مغلقين صفحة التيسير النقدي المؤقت التي افتتحت العام بخفض الفائدة بنسبة 1%.
أولاً: المشهد الحالي:
بداية العام، استهلت لجنة السياسة النقدية العام بخفض مدروس وذكي للفائدة بواقع 100 نقطة أساس (1%) في فبراير 2026، لتستقر معدلات الإيداع عند 19% والإقراض عند 20%، مع خفض الاحتياطي الإلزامي لدعم السيولة وتشغيل الاقتصاد.
منذ ذلك الحين، دخلت اللجنة في مرحلة “تعليق وترقب” عبر سلسلة متتالية من التثبيت ، أبرزها في أبريل ومايو ويوليو وأغسطس وصولاً للاجتماع المرتقب يوم الخميس القادم التاسع والعشرين من أكتوبر الحالي ، ولم يكن التثبيت جموداً، بل هو “استراحة محارب” لامتصاص آثار التغيرات الهيكلية في سعر الصرف، وتقييم أثر التيسير السابق على شرايين الاقتصاد دون السماح للتضخم بالارتداد.
ثانياً: العوامل المؤثرة في قرار اللجنة محلياً وخارجياً:
العوامل المحلية:
التضخم وسعر الصرف:
المعدل السنوي للتضخم يتحرك في مسار هبوطي مستقر نسبياً ، مسجلاً قرابة 12.8% إلى 14% في المدى القريب ، مقارنة بذروته التاريخية، مع وجود قفزات طفيفة أحياناً في المعدل الشهري. التضخم الشهري حساس جداً للتقلبات الموسمية، وتغيرات أسعار السلع الغذائية غير الطازجة، وتأثيرات إعادة تسعير بعض الخدمات، وضغوط سلاسل الإمداد الداخلية. لكنه لا يعكس اتجاهاً هيكلياً صعودياً طالما أن الطلب الكلي مضبوط.
قرار الحكومة الأخير بتثبيت أسعار الوقود والمنتجات البترولية لفترة قادمة كان بمثابة “مكبح أمان” كبح جماح أي موجة تضخمية جديدة في تكاليف النقل والشحن.
على الصعيد الآخر، تلعب “انكماش القوة الشرائية” دوراً عكسياً كمثبط للتضخم؛ فالمستهلك يعيد ترتيب أولوياته، مما يخلق حالة من “ركود الأسعار” تجبر التجار على عدم رفع القيم السعرية خوفاً من ركود المخزون.
من ناحية أخرى، تجاوز الجنيه حاجز 56 جنيهاً للدولار. هذا التحرك يعكس مرونة سعر الصرف ، التي أصبحت واقعاً تعاملياً ، ورغم أن تراجع العملة يرفع مبدئياً “تكلفة الفاتورة الاستيرادية”، إلا أن البنك المركزي يتعامل مع الأمر باعتبار أن السوق قد استوعب الصدمة الأولية، وأن الحصيلة الدولارية واحتياطيات النقد الأجنبي تغطي الالتزامات، مما يمنع تحول هذا الانخفاض إلى دوامة تضخمية مفرطة.
العوامل الخارجية:
التوترات الجيوسياسية وسعر النفط:
تشهد الأسواق العالمية توترات جيوسياسية ضاغطة دفعت بأسعار النفط الخام للتحليق مجدداً مستهدفة مستويات فوق المائة دولار للبرميل (ومستويات مرتفعة تقترب من 116 دولاراً في بعض البورصات العالمية للسيولة الحادة). هذا يمثل ضغطاً استيرادياً على فاتورة الطاقة المصرية، ويشكل الهاجس الخارجي الأكبر للجنة.
مسار الفائدة الأمريكية:
التوقعات العالمية تشير إلى حذر الفيدرالي الأمريكي واستمرار ميله للحفاظ على مستويات فائدة مرتفعة لفترة أطول Higher for Longer لمواجهة التضخم العنيد لديهم، وهو ما يفرض على الأسواق الناشئة الحفاظ على جاذبية وعائد حقيقي للأموال الساخنة والمستثمرين الأجانب بالعملة المحلية.
ثالثاً: التوجهات المحتملة للجنة:
احتمال رفع الفائدة .. مستبعد نسبياً:
الدوافع: صدمات النفط العالمية واقترابه من 100+ دولار، والمخاوف من انتقال عدوى التضخم المستورد.
المانع: البيئة المحلية لا تحتمل أي أعباء تمويلية جديدة على الموازنة العامة أو القطاع الخاص، فرفع الفائدة هنا قد يقتل بذور التعافي الإنتاجي.
احتمال خفض الفائدة .. مستبعد في هذا الاجتماع:
الدوافع: دعم النشاط الاقتصادي وتخفيف عبء خدمة الدين عن كاهل الموازنة.
المانع: حالة عدم اليقين العالمي، وقفزات النفط، وحاجة البنك المركزي لتثبيت أقدام التضخم في نطاقه المستهدف تماماً قبل استئناف دورة التيسير.
احتمال التثبيت .. السيناريو الأرجح والأقوى بقوة:
الدوافع: هو الخيار الأكثر عقلانية واتزاناً في هذه المرحلة ، فالمركزي يفضل “سياسة الانتظار والترقب” Wait and See لتقييم أثر الصدمات الخارجية (النفط) مقابل انحسار الضغوط التضخمية المحلية وضعف القوة الشرائية.
في ضوء ما سبق نقف في هذه المرحلة مع رؤية استمرار التثبيت والذي يتوافق إلى حد كبير مع قراءة الواقع ، فاستمرار حالة عدم اليقين العالمي، وهدوء القوى التضخمية المحلية نسبياً، مع الركود الاستهلاكي الذي يمتص أي زيادات سعرية، يجعل من الإبقاء على أسعار الفائدة الحالية ،19% للإيداع و20% للإقراض، هو القرار الأكثر تحصيناً للاقتصاد المصري في وجه عواصف الخارج ، ويتيح المدى الزمني لامتصاص صدمات النفط الخارجية، محتمياً بهدوء القوى التضخمية المحلية وضعف القوة الشرائية، لحين وضوح الرؤية الإقليمية والدولية.
محمد عبد العال
خبير مصرفي






